الآداب العامة
كولومبيا سيركل وتونغليفانغ: طريقان لتحويل المصانع القديمة
كولومبيا سيركل وتونغليفانغ وجهان لفعل واحد في شنغهاي: الأولى نادٍ ريفي ومعهد بحثي خلّفا حروماً واسعة، وهي اليوم حرم مفتوح منخفض المباني تحيط به الحدائق؛ والثانية أزقة تكدّست فيها ورش صغيرة، وهي اليوم حي إبداعي صغير جداً. هذا المقال يوضح ما هو كل منهما، وأين يختلف الطابع، وما يمكن فعله في الموقع، وكيف يُربط بينهما في عصر ومساء، وأي التوقعات لن تصمد.
آخر تحديثقراءة في 6 دقيقة

ظلّت شنغهاي سنوات طويلة تحوّل المصانع القديمة إلى فضاءات ثقافية وتجارية، وكثيراً ما يُذكر «كولومبيا سيركل» و«تونغليفانغ» معاً، مع أنهما طريقان مختلفان: الأول كان نادياً ريفياً للأميركيين المقيمين في شنغهاي، ثم صار مجمّعاً مغلقاً للبحث العلمي والإنتاج، وهو اليوم حرم مفتوح منخفض المباني تحيط به الحدائق؛ والثاني كان حياً من الأزقة تتكدّس فيه الورش الصغيرة، وهو اليوم حي إبداعي صغير جداً. وليس أي منهما موقعاً سياحياً بالمعنى المألوف.
كولومبيا سيركل: من نادٍ ريفي إلى معهد بحثي إلى حرم مفتوح
كولومبيا سيركل، أو «شانغ شنغ شين سو» بالاسم المحلي، يقع في حي تشانغنينغ، بين طريق يانآن الغربي وطريق بانيو وطريق آنشي، في نطاق منطقة شينخوا التاريخية المحفوظة. وفي العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين كانت هذه البقعة منطقة ترفيه وتواصل اجتماعي للأميركيين المقيمين في شنغهاي، وفيها النادي الريفي الذي صمّمه معماري أميركي: جدران رمادية وقرميد أحمر ونوافذ مقوّسة متتالية وجملونات منحنية، على طراز البعثات الإسباني. ومن خمسينيات القرن العشرين تولّت الموقع مؤسسة للبحث العلمي والإنتاج فصار مجمّعاً مغلقاً، وعلى مدى العقود التالية أُقيمت فيه مختبرات وورش ومبانٍ للمكاتب. فقاعدة الحرم اليوم طبقتان متراكبتان: عمارة حدائقية من العشرينيات والثلاثينيات، ومبانٍ مصنعية وبحثية من الخمسينيات وما بعدها.
وبعد تجديده في السنوات الأخيرة فُتح على مرحلتين، وأُضيفت إلى جنوبه عدة مبانٍ متعددة الطوابق بخطوط بسيطة، والحرم كله منخفض المباني وصالح للمشي، فيه مروج ومسطّحات مائية ومداخل من عدة جهات، ويمكن الدخول إليه والخروج منه صباحاً ومساءً. أما مواعيد المتاجر وقاعات العرض ومتجر الكتب داخله فمتفاوتة من واحد إلى آخر، ولا بد من التحقق منها في اليوم نفسه.
ما يُنظر إليه: واجهات المباني التاريخية، بأسقفها الحمراء المنحدرة انحداراً لطيفاً ونوافذها المقوّسة ومصاريعها الخشبية وجملوناتها المزخرفة؛ والورش ومباني المختبرات المحوّلة بينها، ولا يزال فيها ما يكشف عن الجدران والفتحات القديمة. وأشهر ما في الموقع حوض السباحة المكشوف الذي بُني في عشرينيات القرن العشرين: مكسوّ بفسيفساء إنجليزية، وقد حُفظ في الترميم نقش أرضية الحوض، وهو اليوم غير مستخدم للسباحة، وتُقام على حافته وعلى منصّة الفسيفساء مقاعد مطاعم في العراء، ويُستخدم كثيراً مكاناً للأنشطة، وهو أكثر ما يُصوَّر في الحرم كله. وفي أحد المباني التاريخية متجر كتب اليوم، أما المعارض والأسواق والعروض فتتبدّل بحسب الموعد.
تونغليفانغ: حي صغير خلّفته صناعة الأزقة
يقع في حي جينغآن، حول طريق هايفانغ وطريق يويان، وهو أصغر بكثير من كولومبيا سيركل: زقاق أو زقاقان مع بضعة مبانٍ على الشارع، تُقطع فيه دورة كاملة في عشر دقائق أو نحوها.
في النصف الأول من القرن العشرين كان هذا المكان نموذجاً صريحاً لما يُسمّى في شنغهاي «صناعة الأزقة». ففي الأزقة فُتحت دفعة من المصانع والورش الصغيرة للحديد والنسيج والصباغة والكيماويات والمحركات الكهربائية والحلوى والبسكويت، ملتصقة ببيوت الشيكومين وبحياة السكان على امتداد الجدار نفسه؛ وفي الزقاق نفسه كان هناك مسرح وقاعة تجارية واستوديو تصوير ومتجر للصلصة. وكان الإنتاج والحياة اليومية يتعاقبان في مكان واحد، وهذا أكبر فرق بينه وبين كولومبيا سيركل، التي كانت نادياً أولاً ثم معهداً بحثياً، ولم تعرف يوماً هذه الكثافة من اختلاط الورش بالمساكن.
وفي السنوات الأخيرة أُعيد تحويله إلى حي إبداعي صغير على قاعدة «إصلاح القديم على حاله»: مطاعم وحانات ومشاغل ومكاتب صغيرة مختلطة، مع بقاء مقياس الأزقة والجدران القديمة والأبواب والنوافذ العتيقة، مع إدخال عناصر جديدة في الوقت نفسه: صناديق زجاجية ومظلات من هياكل فولاذية وتبليط جديد. وفي داخله معرض صغير يحكي تاريخ صناعة الأزقة في هذه البقعة، مرتّباً بحسب العقود عبر خزائن عرض وعلب تغليف قديمة ونسخ من لوحات المحال القديمة ومشهد أُعيد بناؤه، مع شرح بلغتين. أما هل هو مفتوح ومتى، فذلك يُتحقق منه في الموقع.
الفرق في الطابع بين الموضعين
كولومبيا سيركل كبير ومستوٍ ومضيء. بين المباني ساحات مبلّطة ومروج ومسطّحات مائية وحديقة يغشاها رذاذ الماء، والحركة فيه واضحة، وأماكن الجلوس كثيرة، والمصوّرون كذلك. وفي نهايات الأسبوع والأعياد يتحوّل عملياً إلى شارع تجاري.
تونغليفانغ صغير ومختلط وهادئ. لا محور له: تدخل فتجد نفسك في زقاق، وبضعة محال متلاصقة، وبعض الواجهات خالية وبعضها قيد التجهيز. وميزته قلة الناس، فتقرأ الجدران القديمة ومقياسها والأبواب والنوافذ العتيقة على حقيقتها؛ وعيبه أن ما يُرى محدود، فدورتان وتصل إلى النهاية. بجملة واحدة: الأول حرم، والثاني حي أزقة.
ما يمكن فعله فعلاً في الموقع
لا يوجد في أي من الموضعين شبّاك تذاكر، ولا مسار زيارة مترابط من نقطة إلى نقطة، ولا شيء «يجب» رؤيته؛ وما يمكن فعله بسيط: المشي، والنظر إلى المباني، والجلوس قليلاً، وتناول شيء، وإلقاء نظرة على معرض في الطريق.
كولومبيا سيركل، دورة كاملة في ساعة إلى ساعة ونصف: واجهات المباني التاريخية، وحوض السباحة، والساحات والحدائق بينها، وتصفّح في متجر الكتب، وإيجاد مكان لشرب شيء؛ وبعد المساء تُضاء الأنوار، فيبدو الماء والناس في الساحة في حال أخرى. والمعارض والأنشطة تتبدّل بحسب الموعد، ودخولها متوقف على اليوم.
تونغليفانغ، نصف ساعة إلى ساعة: مقياس الأزقة، وجملونات الورش القديمة ونوافذها، والمعرض التاريخي الصغير، وشرب شيء أو تناول وجبة في مقعد داخل فناء. والمساء أكثر حيوية من النهار، فالمطاعم والحانات هي البطل، وفي النهار تُغلق محال كثيرة.
وهناك ما يُستحسن تذكّره مسبقاً: كلا الموضعين ملكية تجارية لا مرفق ثقافي عام، وما يمكن دخوله وما هو مفتوح يتوقف على التأجير وعلى سير العمل في تلك الفترة.
عصر ومساء في موضع واحد
من حيث الموقع، كولومبيا سيركل في تشانغنينغ غرب وسط المدينة، وتونغليفانغ في جينغآن إلى الشمال، وبينهما بضعة كيلومترات: عشرون إلى ثلاثين دقيقة بسيارة أجرة، أو بالمترو ثم سيراً على الأقدام. ومحطتا «جامعة جياوتونغ» و«طريق يانآن الغربي» تقعان في نطاق المشي أو ركوب الدراجة من كولومبيا سيركل؛ أما تونغليفانغ فبعيد عن المحطة مسافة، فاتبع الخريطة بعد الخروج منها.
البدء بكولومبيا سيركل بعد الظهر أنسب: الضوء جيد في النهار، والمباني والحدائق وحوض السباحة ومتجر الكتب كلها واضحة، وفيها مجال للجلوس؛ ثم انتقل إلى تونغليفانغ مع اقتراب الظلام، حيث تقودك الأزقة والإضاءة إلى وجبة عشاء مباشرة. والعكس ممكن أيضاً، لكن تونغليفانغ هادئ في النهار ومحاله كثيرة الإغلاق، فالزيارة الصباحية تنتهي غالباً بلا شيء.
أما الوقت: ساعة إلى ساعة ونصف في كولومبيا سيركل، وساعتان إن جلست لشرب شيء؛ ونصف ساعة إلى ساعة في تونغليفانغ، وساعة ونصف مع وجبة؛ ونصف ساعة في الطريق. فالعصر والمساء معاً يكفيان تماماً.
وإن كان لا بد من اختيار واحد: من يريد العمارة والتصوير والجلوس في العراء مع الأطفال فليختر كولومبيا سيركل؛ ومن يريد الفرار من الزحام والمشي في مكان هادئ قبل وجبة فليختر تونغليفانغ.
ما ينبغي توقعه، وبعض الصراحة
أولاً، جزء كبير من الطابع الصناعي رُتّب ورُتّق بعناية. فالساحات والمسطّحات المائية والحديقة ذات الرذاذ والأسطح العلوية في كولومبيا سيركل كلها جديدة، والجدران القديمة نُظّفت تنظيفاً شديداً، والتبليط والأشجار المزروعة والأبواب والنوافذ الزجاجية جديدة: أي أن آثار الصناعة رُمّمت حتى صارت جميلة المنظر؛ فالمكان يحكي تاريخ بقعة مصنعية، لكن ما تقف فيه حرم مصمّم. أما «القديم» في تونغليفانغ فأكثر مباشرة: الجدران والأبواب والنوافذ ومقياس الأزقة على حالها، لكنه هو أيضاً يبحث عن مستأجرين، والوحدات الخالية والحواجز أمر معتاد.
ثانياً، المستأجرون يتبدّلون سريعاً. المتاجر والمعارض وبرامج الأنشطة تتغيّر بمعدل فصلي، والمحل الذي يذكره مقال تقييمي قد لا يكون موجوداً بعد أشهر. لذلك لا يذكر هذا المقال أسماء محال ولا أسعاراً ولا مواعيد: فساعات العمل، وهل المعرض مفتوح، وأي الأبواب مفتوحة، كلها تُتحقق في اليوم نفسه وعبر القنوات الرسمية.
ثالثاً، كلا الموضعين يصلح أكثر لـ«قضاء ساعتين على مهل» من أن يكون وجهة تُقطع من أجلها رحلة. فكولومبيا سيركل كبيرة بما يكفي لتحمّل زيارة مخصّصة؛ أما تونغليفانغ، فإن ذهبت من أجله وحده فستشعر بعد عشر دقائق أو نحوها أن الأمر لم يستحق، واستخدامه الصحيح أن يُربط بوجبة ونزهة قريبة.
من يناسبه: من يهتم بالعمارة الحديثة وتجديد المدن، ويريد التصوير، ومستعد لأن يمضي وقتاً في العراء وفي متجر كتب أو مقهى، فكولومبيا سيركل تناسبه؛ ومن يريد تجنّب الزحام، ويهتم بصناعة الأزقة ومقياس بيوت الشيكومين، ويبحث عن مكان هادئ للأكل، فتونغليفانغ أقرب إلى ما يريد. ومع الأطفال، كولومبيا سيركل أوسع وأسهل، فيها مروج ومسطّحات مائية.
من سيشعر بالملل: من ينتظر أطلالاً صناعية وصدأً، فالموضعان مصقولان بعناية؛ ومن يريد مشهد الشارع على حاله في شنغهاي القديمة، فأحدهما حرم أُعيد تصميمه والآخر زقاق عُدّل؛ ومن جاء في «جولة على الأحياء الإبداعية»، فحجم تونغليفانغ أقل من المتوقع؛ ومن يكره الزحام والوقوف في الصفوف، فكولومبيا سيركل في نهاية الأسبوع ستُتعب أعصابه.
place.gallery
الصور





قراءات ذات صلة
الآداب العامة
طريق ووكانغ والبيوت القديمة: مسار يمكن مشيه على مهل
منطقة طريق ووكانغ حيٌّ سكني من البيوت ذات الحدائق يعود إلى العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين؛ أشجار الدلب وجدران الأسوار والأزقة الصغيرة ما زالت قائمة، والحي ما زال سكنياً حتى اليوم. نتحدث هنا عن كيفية مشيه من الشمال إلى الجنوب، ولماذا لا يمكن تجنّب مبنى ووكانغ، وأين يستحق التوقف، والمسافة بين الشهرة والواقع.
قراءة في 5 دقيقة